ابن كثير

285

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

قريب في المعنى من الأول ، والمقصود أن الأبصار تنبهر يوم القيامة وتخشع وتحار وتذل من شدة الأهوال ومن عظم ما تشاهده يوم القيامة من الأمور . وقوله تعالى : وَخَسَفَ الْقَمَرُ أي ذهب ضوؤه وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ قال مجاهد : كورا ، وقرأ ابن زيد عند تفسير هذه الآية إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ [ التكوير : 1 ] وروي عن ابن مسعود أنه قرأ وجمع بين الشمس والقمر . وقوله تعالى : يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ أي إذا عاين ابن آدم هذه الأهوال يوم القيامة حينئذ يريد أن يفر ويقول أين المفر أي هل من ملجأ أو موئل ، قال اللّه تعالى : كَلَّا لا وَزَرَ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ قال ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف : أي لا نجاة ، وهذه الآية كقوله تعالى : ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ [ الشورى : 47 ] أي ليس لكم مكان تتنكرون فيه ، وكذا قال هاهنا : لا وَزَرَ أي ليس لكم مكان تعتصمون فيه ، ولهذا قال : إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ أي المرجع والمصير . ثم قال تعالى : يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ أي يخبر بجميع أعماله قديمها وحديثها ، أولها وآخرها ، صغيرها وكبيرها ، كما قال تعالى : وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [ الكهف : 49 ] وهكذا قال هاهنا : بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ أي هو شهيد على نفسه عالم بما فعله ولو اعتذر وأنكر ، وكما قال تعالى : اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [ الإسراء : 14 ] وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ يقول : سمعه وبصره ويداه ورجلاه وجوارحه . وقال قتادة : شاهد على نفسه وفي رواية قال : إذا شئت واللّه رأيته بصيرا بعيوب الناس وذنوبهم غافلا عن ذنوبه . وكان يقال : إن في الإنجيل مكتوبا يا ابن آدم تبصر القذاة في عين أخيك وتترك الجذل في عينك لا تبصره ! . وقال مجاهد : وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ ولو جادل عنها فهو بصير عليها . وقال قتادة وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ ولو اعتذر يومئذ بباطل لا يقبل منه . وقال السدي وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ حجته . وكذا قال ابن زيد والحسن البصري وغيرهم واختاره ابن جرير . وقال قتادة عن زرارة عن ابن عباس وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ يقول : لو ألقى ثيابه . وقال الضحاك : ولو ألقى ستوره وأهل اليمن يسمون الستر المعذار . والصحيح قول مجاهد وأصحابه كقوله تعالى : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 23 ] كقوله تعالى : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ [ المجادلة : 18 ] وقال العوفي عن ابن عباس وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ هي الاعتذار ألم تسمع أنه قال لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وقال وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ [ النحل : 87 ] فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ [ النحل : 28 ] وقولهم وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 23 ] .